التهديد الكامن في ترجمة أفكار "السلفية الجهادية" إلى نشاط عنيف وإرهابي

إن تيار "السلفية الجهادية" الذي تشكل عقائده القاعدة الفكرية لتنظيم "القاعدة" يرى وجوب خوض صراع عنيف مع "أعداء الإسلام" وفي مقدمتهم إسرائيل والولايات المتحدة.


"السلفية الجهادية" – تيار متشدد يقول بالصراع العنيف
إن مصطلح "السلفية" يُطلق على حركة في الإسلام السني تتطلع إلى استعادة مجد العصر الذهبي للإسلام المبكر من خلال اتّباع العادات والتقاليد المنسوبة إلى النبي محمد والخلفاء الراشدين (والذين يعتبرون هم السلف، وهو مصدر تسمية التيار بالسلفية).

 

ويتميز أتباع "السلفية" بمدى التزامهم الديني، حيث يركِّزون على الدراسات الدينية وتهيئة النفوس من منطلق العمل على تقريب جميع المسلمين من دينهم من خلال ممارسة النشاط الأهلي والاجتماعي من قبيل مشاريع التربية والتعليم والعمل الخيري ("الدعوة") سعياً إلى أسلمة المجتمع والدولة بمعنى جعلهما يهتديان بالشريعة الإسلامية.

 

وقد نشأ داخل الحركة السلفية تيار متشدد يدعى "السلفية الجهادية" يُعتبر من أكثر التيارات الإسلامية المعاصرة تشدداً وصرامة. ويستبعد هذا التيار ، المعروف أيضاً بأنه مصدر نمو تيار "الجهاد العالمي" الذي يضم فيما يضمه تنظيم "القاعدة" ، نجاح العمل الدعوي وحده في الاقتراب من تحقيق أهداف السلفية.
وبالتالي يرى هذا التيار وجوب السعي لنشر الإسلام وتطبيقه في كافة مناحي الحياة من خلال تحرير أراضي المسلمين من سيطرة أي حضارة أخرى عليها وذلك عبر ممارسة "الجهاد". إذ يعتبر قادة هذا التيار "الجهاد" (بمعنى الكفاح العنيف بلا هوادة الذي يشتمل أيضاً على القيام بنشاط عسكري ضد "أعداء الإسلام") فرض عين ينطبق على أي مسلم وهدفاً بحد ذاته وليس مجرد وسيلة لتحقيق الهدف المشار إليه. ويستهدف الكفاح جميع أعداء الإسلام داخلياً وخارجياً (مثل إسرائيل والولايات المتحدة) بما في ذلك الأنظمة العربية العلمانية التي لا تستند أنظمة حكمها إلى "الشرائع الإلهية" ، وبالتالي فإنها تُعتبر كافرة ويجوز العمل على إسقاطها ، كون حكّامها يُصنَّفون في خانة مَن يميل إلى طريق أعداء الإسلام أو يسوقون التبريرات له. 

 

 

 

التيار السلفي لدى المواطنين العرب الإسرائيليين: الشيخ ناظم أبو سليم سكفة مؤسس "أنصار الله"
لقد انتشرت أفكار "السلفية" بما فيها أفكار تيار "السلفية الجهادية" في المناطق ولا سيما في قطاع غزة. كما أنها أخذت تتغلغل في الآونة الأخيرة – في ظل مسيرة التطرف الإسلامي – وتلقى الصدى لها لدى المواطنين العرب الإسرائيليين ولو على نطاق ضيق نسبياً.

ويقع مركز القوة الرئيسي في إسرائيل لتيار "السلفية الجهادية" في الناصرة ويتمحور حول شخصية الشيخ ناظم أبو سليم (سكفة) من سكان الناصرة (مواليد 1965) الذي كان إمام مسجد شهاب الدين في المدينة.
وكان الشيخ أبو سليم (سكفة) الذي يُعدّ المنظّر الرئيسي لهذا التيار في إسرائيل قد شكل عام 1997 جماعة "أنصار الله بيت المقدس – الناصرة" التي تضم العشرات من النشطاء سواء في الناصرة أو في أماكن أخرى داخل إسرائيل. وترى هذه الجماعة – التي كان وزير الدفاع قد أعلن عنها تنظيماً محظوراً يوم 25 يوليو تموز 2011 – وجوب اعتماد "الجهاد" لقيادة الإسلام نحو تحقيق النصر وكذلك تحرير القدس من "المؤامرة الصهيونية الصليبية".

وجاء في لائحة الاتهام التي قُدمت أواخر عام 2010 ضد الشيخ أبو سليم (الموجود رهن الاعتقال حتى انتهاء الإجراءات القضائية بحقه) بتهم التحريض على العنف والإرهاب ودعم تنظيم إرهابي، أن رموز وشارات جماعة "أنصار الله" التي يقودها تشتمل على موادّ محسوبة على حركة طالبان الأفغانية و"الجهاد العالمي".
وقد أنشأ الشيخ أبو سليم (سكفة) موقعاً إلكترونياً أطلق عليه اسم MUSLIM 48 حيث جعله منبراً لمفكّرين بارزين من تنظيم "القاعدة" ، لا بل إنه نقل رسائل بصوت أسامة بن لادن مرفقة بصُوَره. وقد طرح الشيخ أبو سليم (سكفة) عبر الموقع الإلكتروني المذكور وفي الخُطَب التي ألقاها في مسجد شهاب الدين في الناصرة وكذلك في أماكن أخرى مثل المسجد الأقصى رؤية عقائدية تتماهى بمضامينها مع عقيدة "الجهاد العالمي" و"القاعدة" ، إضافة إلى نشره المواد التي تمتدح وتدعم مقاتلي "القاعدة" داعياً إلى مساندتهم. كما أنه قام بالتحريض والتشجيع على ارتكاب أعمال عنف ضد المسيحيين واليهود.

 

 

شبكة الإنترنت – مرتع خصب لنشر أفكار "السلفية الجهادية"
ليس من باب الصدفة أن تكون شبكة الإنترنت قد أصبحت أداة رئيسية لنشر أفكار "السلفية الجهادية"، ذلك لأنها تضم آلاف المواقع والمنتديات الجهادية المنشغلة في تسويق أفكار "الجهاد العالمي". وتعود أهمية الساحة الافتراضية إلى كونها أداة قابلة للتواصل ومريحة ورخيصة وسريعة وآمنة للدعوة إلى أفكار "الجهاد" ونشرها. كما تشكل الشبكة العنكبوتية ملتقى للتضامن والتواصل ورصد النشطاء وتجنيدهم. إنها تتيح اعتماد الأنماط الجهادية دون الحاجة إلى وجود تنظيم مساند، ناهيك عن كونها "جامعة إلكترونية" لتعليم الإرهاب حيث يمكن مشاهدة الأشرطة المصورة والحصول على أجوبة وتوجيهات عملية حول كيفية إعداد العبوات الناسفة المختلفة والشروحات حول كيفية استخدام الوسائل القتالية بأنواعها.

 

 

 

ضلوع المواطنين العرب الإسرائيليين في ممارسات عنيفة وإرهابية تحت تأثير أفكار "الجهاد"
لوحظ مؤخراً في الوسط العربي التعاطف مع أفكار "السلفية الجهادية". ورغم أن هذه الظاهرة لم تُرصد إلا على نطاق ضيق، فمن الملاحَظ أنها تلقى الصدى وتستقطب الشبان المتطرفين في الوسط العربي. وهكذا – وإلى جانب تراجع حجم ضلوع المواطنين العرب الإسرائيليين في ممارسة الإرهاب (في عام 2011) – فقد كشف جهاز الأمن العام خلال السنوات الأخيرة عدة خلايا عملت تحت تأثير عقيدة تيار "السلفية الجهادية". وتتميز هذه الخلايا بالتخطيط للاعتداءات الإرهابية في إسرائيل ومحاولة القيام بها مستهدفة بوجه خاص قوات الأمن بما في ذلك التخطيط لاختطاف الجنود فضلاً عن استهداف مواطنين مسلمين تم تكفيرهم. كما لوحظت نية بعض الشبان للتوجه إلى ساحات صراع خارجية ومنها الشيشان وأفغانستان والالتحاق بالمجاهدين هناك.

 

ويشار تحديداً إلى الأحداث الآتية التي شهدها العامان الماضيان:

  • في عام 2010 – إعتقال عدد من الشبان العرب من الناصرة ويافة الناصرة لضلوعهم في سلسلة جرائم خطيرة مستوحين بعقيدة "السلفية الجهادية". وكان بعضهم نشطاء معروفين في جماعة "أنصار الله" المذكورة أعلاه. كما كان لبعض هؤلاء الشبان ضلع في عملية قتل سائق سيارة الأجرة اليهودي يافيم فاينشتاين في نوفمبر تشرين الثاني 2009 فيما تورط آخرون في الهجمات العنيفة على مواطنين مسيحيين – وحتى على مواطنين مسلمين – على خلفية دينية وأخلاقية.

  • في عام 2011 – إعتقال عدد من سكان قرية دبورية الذين خططوا لاستهداف مخفر الشرطة المحلي بما في ذلك الاعتداء على جندي وشرطي من حرس الحدود من سكان القرية وخطف سلاحهما. وخطط المعتقلون للقيام باعتداءات إرهابية أخرى مستقبلاً إلا أنه جرى اعتقالهم قبل تمكنهم من وضع مخططاتهم موضع التنفيذ.

 

الخلاصة
لقد ازدادت خطورة التهديدات المحتملة التي تتعرض لها إسرائيل بسبب ترسيخ التضامن مع أفكار "السلفية" وبالأخص أفكار "السلفية الجهادية" – إلى جانب وجود الحيّز الإلكتروني (الإنترنت) الذي يشكل مرتعاً خصباً لنشر الأفكار والتواصل مع نشطاء "الجهاد العالمي" ، بما في ذلك نقل المعلومات حول الإرهاب. وبالتالي – وعلى الرغم من رقعة الظاهرة الصغيرة نسبياً وخروجها عن الإجماع القائم لدى المواطنين العرب الإسرائيليين – يُخشى من أن بعض الشبان المتأثرين بشخصيات دينية كاريزمية تعتمد العقيدة القتالية لتنظيم "القاعدة" من قبيل الشيخ أبو سليم سكفة من الناصرة  سوف يعتبرون أفكار "السلفية الجهادية" مبرراً دينياً عقائدياً للانتقال من مرحلة النظرية إلى مرحلة التطبيق العملي بما في ذلك اللجوء إلى النشاط العسكري وممارسة الإرهاب.