ما هي "الدعوة"؟
إن كلمة "دعوة" تعني النداء أو الترويج لفكرة ما وتحديداً الحث على التقرّب إلى الدين أو "تأهيل القلوب" تهيئة النفوس؟ ، لكنها تعني عملياً "استمالة القلوب" لطرف حماس.
إن النشاط الدعوي هو مجموع إجراءات الدعم التي تمنحه حماس لأتباعها وللجمهور الفلسطيني عامة في مجالات متنوعة ابتداءً من الدين والتربية والتعليم وانتهاء بالطب والرفاه الاجتماعي.
إن الفكرة الرئيسية للدعوة تعود جذورها إلى حركة "الإخوان المسلمون" المصرية وهي تقوم على الرؤية الإستراتيجية القائلة إن الاستثمار في التربية على القيم الإسلامية وممارسة النشاط الاجتماعي قد يؤتيان ثمارهما حتى وإنْ لم يكن ذلك على المدى الفوري.
وقد اعتبرت حماس – التي نشأت على أساس أفكار "الإخوان المسلمون" مع إضافة الكفاح المسلح ضد إسرائيل (وهو هدف ينطوي عليه اسم الحركة التي قامت عام 1987 تحت اسم "حركة المقاومة الإسلامية") – اعتبرت "الدعوة" أداة رئيسية لدفع الحركة إلى الأمام.
إن جهاز "الدعوة" يتيح للحركة توسيع قاعدة الدعم الجماهيري لها وتعرّض السكان الفلسطينيين في المناطق لقيم الحركة وتحديداً لعقيدة "الجهاد" ومكافحة إسرائيل. ويجب التأكيد أن حماس لا تحصر دعمها في المقرَّبين منها بل تعرض المساعدات ضمن مشاريع "الدعوة" على مجموع السكان. وتتمكن حماس بهذه الطريقة من جعل الجمهور المستعين بها يلتزم بدربها وقيمها بل جعله معتمداً اقتصادياً على الإعانات التي تقدمها له.
سيطرة حماس على منظومة الجمعيات الخيرية في المناطق
إن الشريعة الإسلامية ترسي واجب الزكاة باعتبارها أحد أركان الإسلام الخمسة مما يعني أنها تنطبق على أي مسلم.
وقد رأت حماس – بصفتها حركة إسلامية يعمل أعضاؤها أئمة وخطباء في المساجد ويشغلون وظائف دينية أخرى – رأت نفسها أجدر جهة باستخدام أموال الزكاة. وبالتالي أصبح جهاز "الدعوة" الخاص بها ممكناً بفضل شبكة واسعة من الجمعيات الخيرية التي كان "الإخوان المسلمون" في غزة قد أنشأوا بعضها منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين (مثل جمعية "المجمَّع الإسلامي") فيما نشأت أخرى بعد تأسيس حماس (1987). وإلى جانب هذه الجمعيات توجد في المناطق هيئات خيرية أخرى أقامتها دائرة الأوقاف الإسلامية أو جمعيات خاصة.
وقد بدأت عام 1989 مسيرة تدريجية سيطرت حماس في إطارها على الجمعيات الخيرية التي لم تتبع أصلاً تيار "الإخوان المسلمون" وحوَّلتها إلى جمعيات تتماهى تماماً مع الحركة مما جعل حماس عملياً تهيمن حالياً على شبكة متشعبة من الجمعيات الخيرية المنتشرة في المناطق وتستخدم أموالها لصيانة جهاز "الدعوة" الخاص بها.
"الدعوة" والإرهاب
إن بعض أموال الزكاة التي تجمعها حماس تُستخدم لتمويل مؤسسات الحركة وأهدافها بما في ذلك الكفاح ضد إسرائيل. ويمكن الحديث تحديداً عن تمويل هيئات تابعة لحماس لا تمارس العمل الخيري فحسب بل تشجع على الإرهاب. ويتم ذلك من خلال دعم المؤسسات الدينية والاجتماعية والتربوية الخاضعة لسيطرة الحركة حيث يتم الترويج "للجهاد" والتحريض العنيف ضد إسرائيل بما في ذلك التشجيع على القيام بعمليات إرهابية ضدها ، وكذلك عن طريق دعم المخربين (سواء القتلى أو السجناء أو الجرحى) وأبناء عائلاتهم الذين يتمتعون بسلسلة امتيازات ومنها مكافآت ومخصصات شهرية.
وهكذا مثلاً تتلقى عائلة المخرب القتيل هبة خاصة يتراوح مقدارها ما بين مئات وآلاف (500-5000) الدولارات تبعاً لنوع الاعتداء بالإضافة إلى إعانة شهرية (بمبلغ يعادل 100 دولار) وتسديد كافة النفقات المترتبة على إنشاء "بيت العزاء" وغيرها من الامتيازات في المجالات التربوية والصحية التي تطال أسرة القتيل.
ويُستدل من تحقيقات جرت مع نشطاء حماس ومخربين أن الدعم الذي تقدمه حماس للعائلة كان في بعض الأحيان من الاعتبارات الهامة فيما يخص اتخاذ القرار بارتكاب الاعتداء التخريبي بما في ذلك الاعتداءات الانتحارية.
وكما سلف فإن أهمية "الدعوة" من حيث صيانة عقيدة "الجهاد" لحماس تتمثل أيضاً بغسل الدماغ والترويج "للجهاد" وللكفاح ضد إسرائيل في الأطُر الدعوية المختلفة ابتداءً من المساجد والصفوف الدراسية والمخيمات الصيفية وانتهاء بالجامعات. ويمكن القول بصياغة أخرى إن حماس تبث روح "الجهاد" بين المستفيدين من "الدعوة" منذ مرحلة الطفولة المبكرة وحتى مرحلة البلوغ. وتشكل المضامين الجاري تدريسها في المخيمات الصيفية المقامة في المناطق كل صيف برعاية حماس مثالاً على ذلك حيث يتم فيها إلى جانب دراسة مواد الدين والحواسيب وممارسة النشاطات الرياضية من قبيل اللياقة البدنية والفنون القتالية تدريس مواضيع تخص تشغيل قطع السلاح المختلفة وإلقاء محاضرات حول المتفجرات وكيفية التعامل معها.
كما يُستخدم جهاز "الدعوة" التابع لحماس أداة رئيسية في تنمية "جيل المستقبل" لأنصار حماس ومَن ينضم إليها فيما يتعلق بارتكاب الاعتداءات التخريبية أيضاً. وتشكل جميع أطر "الدعوة" فعلاً مرتعاً لتجنيد القوى البشرية في صفوف الحركة علماً بأن المساعدات المالية المضمونة في مختلف المجالات (بما فيها خفض الأقساط الدراسية أو توزيع المنح الجامعية) تشكل إغراء للالتحاق بالحركة بل الانخراط في العمل العسكري وارتكاب الاعتداءات. ويجب التنويه في خلفية الأمر أن المخرب يعلم بأنه سيتلقى في جميع الأحوال المقابل لنشاطه سواء في حال إصابته أو من خلال دعم أبناء عائلته ، وفي حال مقتله أثناء الاعتداء ، ستواصل حماس دعم أبناء عائلته مالياً، مما يضمن أن موته لن يذهب هدراً لأن الرزق مضمون لعائلته.

نظام تجنيد الأموال
يتم تجنيد جل الموارد المالية لجهاز "الدعوة" التابع لحماس في الخارج حيث تعمل عشرات الصناديق الخيرية المتخصصة التي تخدم حماس وتشكل جزءاً من جهاز التمويل العالمي الخاص بها. ويدور الحديث عن صناديق تحشد كل عام إجمالاً عشرات ملايين الدولارات لتمويل نشاطات حماس. وتتماهى الصناديق الرئيسية العاملة في الخارج فكرياً وتنظيمياً مع طريق الحركة بما في ذلك فكرة "الجهاد".
وكانت قيادات حماس والحركة الأم – "الإخوان المسلمون" – قد خططت سلفاً وبشكل دقيق لوضع النظام المالي العالمي لحماس. إذ تمكنت حماس تدريجياً منذ مطلع التسعينيات من إنشاء جهاز مالي لا مركزي في أنحاء المعمورة كان يهدف إلى ضمان تحويل الأموال لتمويل نشاطاتها الواسعة في المناطق وفي الخارج. ويتم الحرص ما أمكن على إجراء عمليات جمع الأموال من خلال الالتزام بالسرية والتكتم على ارتباطها بحماس.
ومن الصناديق الرئيسية التي تكوّن شبكة الدعم الاقتصادي العالمية لحماس ما يلي:
"صندوق إنتربال" البريطاني ؛ "صندوق الأقصى" وفروعه الأوروبية ؛ لجنة المساعدة والتضامن مع فلسطين" (CBSP) في فرنسا ؛ "صندوق الأرض المقدسة" (HLF) في الولايات المتحدة (إلى حين الإعلان عنه هيئة غير شرعية وإيقاف عمله هناك) ؛ "المؤتمر العالمي للشباب المسلم" (WAMY) في السعودية ؛ صناديق عديدة أخرى في دول الخليج ؛ صناديق متخصصة لحماس في أوروبا بما فيها في السويد ("سنابل الأقصى") والدنمارك ("صندوق الأقصى") وهولندا ("صندوق الأقصى" و"صندوق الإسراء") وسويسرا (ASP, SHS) وإيطاليا (ABSPP) والنمسا (PHV, PVO) وبلجيكا ("صندوق الأقصى") وغيرها.
وقد غيرت هذه الصناديق منذ عام 2001 من نمط عملها وأنشأت إطاراً تنظيمياً دولياً يعمل تحت "إدارة مشتركة" وأُطلق عليه اسم "إئتلاف الخير" الذي يجمع تحت سقفه كل الصناديق الداعمة لحماس. وتشكل المساعدات التي تنقلها الصناديق الأعضاء في "إئتلاف الخير" شريحة هامة من ميزانيات حماس وتُعدّ بالتالي قاعدة متينة هامة لوجود الحركة ونيل أهدافها. وقد حوَّل "إئتلاف الخير" في الفترة ما بين 2001-2008 مئات ملايين الدولارات إلى جمعيات وهيئات تهيمن عليها حماس في المناطق.
ويرئس الائتلاف الشيخ يوسف مصطفى القرضاوي الذي كان في الماضي نشيطاً في حركة "الإخوان المسلمون" في مصر إلا أنه اضطُر لمغادرتها وانتقل منذ ذلك الحين إلى قطر. ويتعاطف القرضاوي مع التيار المتشدد لحركة "الإخوان المسلمون" وقد شرعن في الفتاوى التي أصدرها اركتاب الاعتداءات الانتحارية وعرَّفها بأنها "إستشهاد". كما أنه سمح بقتل مدنيين إسرائيليين وأفتى برص صفوف العرب للقيام بالجهاد ضد إسرائيل.
ويشكل القرضاوي مرجعية دينية وروحانية لحركة حماس وغيرها. ويُستدل من تصريحاته العلنية الكثيرة أنه يعتقد بأن قيام فريضة "الجهاد" ضد إسرائيل واليهود يحتم كل الوسائل ومنها "الجهاد" العسكري و"الجهاد" الاقتصادي. ويتمثل الأمر بالفتوى التي صدرت باسمه والتي جاء فيها أنه إذا دارت حرب لتحرير الأراضي المحتلة من قوانين أولئك الذين لا إيمان لهم ومن ظلمهم فإنها دون ريب جهاد في سبيل الله يجب بالتالي تمويله بأموال الزكاة.
مكافحة أموال الإرهاب
لقد أعلنت إسرائيل عام 2002 عن "إئتلاف الخير" والصناديق الأعضاء فيه هيئة غير شرعية في البلاد في ضوء ارتباطها بحماس ودعمها لها. وفي مايو أيار 2008 قرر وزير الدفاع إخراج 36 صندوقاً آخر عضواً في "إئتلاف الخير" من دائرة القانون ، فيما تم في نوفمبر تشرين الثاني 2008 إخراج "إئتلاف الخير" من دائرة القانون في الولايات المتحدة.
ومؤخراً وتحديداً يوم 27 فبراير شباط 2009 نشرت "لجنة العمل الخيري" (Charity Commision) البريطانية – وهي لجنة مسؤولة عن الأداء السليم للجمعيات غير الربحية في بريطانيا – تقريراً حول نتائج التحقيق الذي أجرته في أداء "صندوق إنتربال" البريطاني. وكان هذا الصندوق وهو من أبرز صناديق حماس في أنحاء العالم قد أُخرج من دائرة القانون في إسرائيل عام 1997 ثم أُعلن عنها تنظيماً إرهابياً في الولايات المتحدة.
وقد بدأ التحقيق في بريطانيا ضد "صندوق إنتربال" عام 2006 في أعقاب ممارسة ضغوط عامة وتراكم شبهات حول الدعم الذي يقدمه الصندوق لحماس. وقد سبق التحقيق الحالي للجنة العمل الخيري ثلاثة تحقيقات أخرى كانت قد أجريت ضد هذا الصندوق لكنها لم تخلص إلى أي نتيجة.
وأشارت اللجنة في تقريرها المنوَّه به إلى أن النتائج التي توصل إليها تحقيقها تتطلب أن ينفصل "صندوق إنتربال" عن "إئتلاف الخير" فوراً بل وحُظر تولي أي مستخدم في الصندوق أي منصب في "إئتلاف الخير". كما أشارت اللجنة إلى أنها تنوي مراقبة تطبيق توجيهاتها هذه.
إن "صندوق إنتربال" يشكل جهة رئيسية في "إئتلاف الخير" الذي يُعدّ بدوره كما سبق "منظمة مظلية" لجهاز تجنيد الأموال الذي تشغله حماس في ربوع العالم والذي يضم في عضويته عشرات الصناديق الإسلامية المتطرفة. ويشار إلى أن نائب رئيس "صندوق إنتربال" في بريطانيا الدكتور عصام يوسف هو نشيط حمساوي ويعمل أيضاً مديراً عاماً ل"إئتلاف الخير".
وينطوي التقرير الجديد للجنة البريطانية على مغزى كبير من حيث مكافحة جهاز التمويل العالمي لحماس ، إذ إن هيئة أوروبية تبنّت لأول مرة وفي إطار تقرير رسمي الموقف الأميركي والإسرائيلي من "إئتلاف الخير" الذي يعتبره هيئة تنسق جهود حماس لجمع الأموال في أوروبا ودول الخليج ودول أخرى في العالم.