المقدمة
وكانت قضية المدعو شمعون ليفنزون (لافيه) وهو ضابط احتياط برتبة عقيد (كولونيل) كان في الماضي رجل مخابرات ومستخدماً في جهاز الأمن العام وجهاز الموساد وضابط الأمن المسؤول في ديوان رئاسة الحكومة ، كانت هذه القضية بمثابة تحقيق لكابوس من هذا القبيل.
إذ كان ليفنزون قد دخل في شهر أبريل نيسان 1983 مقرّ سفارة الاتحاد السوفياتي السابق في العاصمة التايلاندية بانكوك وعرض خدماته على الروس. وبالتالي تم تجنيده وتشغيله في خدمة وكالة الاستخبارات والشرطة السرية للاتحاد السوفياتي ال- كي. جي. بي. إلى حين اعتقاله في مايو أيار 1991.
وقد أقام ليفنزون خلال فترة تشغيله من قبل الروس شبكة اتصالات مكثفة مع القائمين على تشغيله سواء من خلال اللقاءات السرية في أوروبا وموسكو أو عبر وسائل الاتصالات السرية مثل الكتابة السرية والبث الإذاعي و"النقاط الميتة" وغيرها ، حيث نقل معلومات كثيرة وحيوية إلى مشغّليه.
وقد أشار ليفنزون خلال التحقيق الذي جرى معه بعد اعتقاله إلى أن ما دفعه للقيام بعمله التجسسي لم يكن دوافع عقائدية أو ميلاً نحو الاتحاد السوفياتي بل مجرد الصعوبات المالية التي كان يواجهها وحرصه على تأمين مستقبل عائلته اقتصادياً. وقد تلقى ليفنزون خلال فترة تشغيله التي دامت 7 سنوات من مشغّليه الروس مبلغ 31 ألف دولار علماً بأنه قطع علاقاته معهم عند تحسّن أوضاعه الاقتصادية (بداية عام 1990). وقد ألحق ليفنزون – الذي يُعتبر من أكبر عملاء ال- كي. جي. بي. في إسرائيل – ضرراً استخبارياً شديد الخطورة في إسرائيل بسبب ماضيه الحافل بالعمل المتنوع ونطاق ارتباطاته وانسياب المعلومات السرية للغاية إليه.
شمعون ليفنزون – سيرة حياة جاسوس
من مواليد عام 1933 في أورشليم القدس وهو متزوج وله 4 أولاد.
وقد تجنّد في صفوف جيش الدفاع عام 1950 وأدى خدمته العسكرية طيلة فترة تزيد على 10 سنوات في وظائف مختلفة ومنها:
* 1950 – 1953: موظف في لجنة الهدنة الأردنية الإسرائيلية المشتركة.
* 1954 – أصبح ضابطاً في الخدمة العسكرية الدائمة (حصل على رتبة ضابط دون أن يشارك في دورة للضباط) في الملحقية العسكرية الإسرائيلية في تركيا.
* 1954 – 1960: عاد إلى ممارسة العمل في لجنة الهدنة الأردنية الإسرائيلية المشتركة بصفة منسّق بين سلاح الاستخبارات والجيش الأردني.
* 1960 – 1961: شارك في الدورة العليا للدوائر الاستخباراتية وتم تثبيته في نهايتها في منصب رئيس قسم التوثيق التابع لدائرة جمع المعلومات في هيئة الاستخبارات العسكرية.
وقد تسرّح ليفنزون من خدمته الدائمة في جيش الدفاع لما اعتراه من إحباط بسبب عدم ترقيته.
وعمل مدة عام مديراً عاماً للشركة الحكومية للميداليات والمسكوكات إلا أنه أُجبر على التنحي بعد أن قدم شكوى كاذبة تدّعي اكتشاف حالة فساد في الشركة.
وتم في شهر مارس آذار 1963 تجنيد ليفنزون في صفوف جهاز الأمن العام (الشاباك) حيث عمل في أورشليم القدس رئيساً لفريق معني بإجراء الاختبارات الأمنية.
وأُحيل ليفنزون عام 1965 بناء على طلبه إلى جهاز الموساد الاستخباري حيث عمل حتى مارس آذار 1967 في مجال التدقيق في المصداقية.
وعاد ليفنزون عام 1967 بناء على طلب من وزارة الخارجية لممارسة دوره في إطار لجنة الهدنة الأردنية الإسرائيلية المشتركة وعمل فيها إلى حين إلغائها (يوليو تموز 1967) حيث تم دمجه في جهاز الارتباط مع الأمم المتحدة ثم رُقي وأصبح قائداً لوحدة الارتباط مع الأمم المتحدة حيث أدى هذا المنصب حتى عام 1970.
وعاد ليفنزون لدى تفرّغه من وظيفته في وحدة الارتباط مع الأمم المتحدة إلى جهاز الموساد وتحديداً إلى هيئة العلاقات الخارجية التابعة له حيث عمل مدة عامين رئيساً لأحد فروع الموساد في الخارج. وتمت إعادته إلى البلاد بسبب خلل أمني كان مسؤولاً عنه ثم عُين مساعداً خاصاً لرئيس دائرة العلاقات الخاصة في مقرّ جهاز الموساد واحتفظ بهذا المنصب حتى عام 1973.
وعاد ليفنزون في يوليو تموز 1973 إلى الخدمة الدائمة في جيش الدفاع وعمل ضابط ارتباط مع الأمم المتحدة برتبة عقيد (كولونيل) حتى أغسطس آب 1978 حيث اعتزل الخدمة مرة أخرى لشعوره بالإحباط بسبب عدم ترفيعه.
واستثمر ليفنزون علاقاته مع منظمة الأمم المتحدة التي عينته (1979) مسؤولاً عن محاربة المخدرات في تايلاند حيث عمل هناك حتى يونيو حزيران 1983. وبات ليفنزون قبيل انتهاء فترة عمله في تايلاند يواجه ضائقة مالية بسبب محاولاته الفاشلة لتطوير أعماله الخاصة.
وحاول ليفنزون عام 1984 الالتحاق مجدداً بجهاز الموساد لكن طلبه رُفض إثر ورود معلومات سلبية حول صفاته وملامح شخصيته.
وتم قبول ليفنزون في مايو أيار 1985 بفضل مساعي عدد من معارفه المسؤولين للعمل كضابط الأمن المسؤول في ديوان رئاسة الوزراء إلا أنه اعتزل هذا المنصب بشكل مفاجئ في ديسمبر كانون الأول من العام ذاته بعد تعرضه لانتقادات مردّها أداؤه الهزيل
وحاول ليفنزون فيما بعد خوض مجال الأعمال دون تحقيق الكثير من النجاح.
أما في شهر مايو أيار 1991 – بعد ثبوت رصده كجاسوس – فتم استدراج ليفنزون للعودة إلى البلاد من الخارج واعتقاله في مطار بن غوريون الدولي. وجرى التحقيق معه حيث اعترف على الفور بما نُسب إليه وخضع للمحاكمة وفُرضت عليه عقوبة السجن لمدة 12 عاماً.
المعلومات التي قدّمها ليفنزون لمشغّليه في جهاز ال- كي. جي. بي.
لقد أمدّ ليفنزون مشغّليه بمعلومات كثيرة حول المواضيع التالية:
* هيكلية الدوائر الاستخبارية الإسرائيلية – بما تشتمل عليه من وحدات مختلفة ومنها: هيئة الاستخبارات العسكرية وجهاز الموساد وجهاز الأمن العام (الشاباك) ودائرة المهامّ الخاصة في الشرطة ومكتب الاتصال مع يهود الاتحاد السوفياتي ("ناتيف") علماً بأن المعلومات تضمّنت تفاصيل الوحدات والأقسام التابعة لها وأسماء رؤسائها وأساليب عملها.
* هيكلية ديوان رئاسة الوزراء وكيفية أدائه والشخصيات الرئيسية العاملة فيه.
* تفاصيل عن وزارة الخارجية الإسرائيلية بما في ذلك تسليم عدد من الوثائق الأصلية التابعة لها.
* الساحة السياسية الإسرائيلية وما يخصّها من شخصيات وأحزاب وآراء ومواقف في الشارع الإسرائيلي.
* معلومات عن ضباط استخبارات أميركيين كانوا على اتصال مع المخابرات الإسرائيلية بما في ذلك أسماء هؤلاء الضباط ووظائفهم ومجالات عملهم.
الخاتمة
لقد أمضى ليفنزون محكوميته في السجن حيث تقاسم الزنزانة مع جاسوس آخر ألا وهو الدكتور ماركوس كلينبرغ. وتم الإفراج عنه عام 1999 بعد اختصار مدة محكوميته بثلث لحسن السلوك.
وقد انفصلت زوجة ليفنزون عنه خلال فترة محكوميته فيما قطع جميع معارفه وزملائه السابقين علاقاتهم معه. كما تم إبعاده من الهيئات التي كان عضواً فيها مثل جمعية جنود جيش الدفاع المتقاعدين. وطرأ تدهور على حالته الصحية أيضاً.
وأقام ليفنزون بعد إطلاق سراحه في شقة مستأجرة في أورشليم القدس معزولاً عن محيطه الاجتماعي وصار يبحث عن العمل. وتوجه ليفنزون عام 2003 ، حيث انتهت مدة منعه من السفر ، إلى خارج البلاد وأصبح يقيم هناك فترات طويلة علماً بأنه اعتاد على العودة إلى البلاد بين حين وآخر لقضاء إجازات قصيرة.
وتم استخلاص العبر من قضية ليفنزون وتطبيق أساليب وإجراءات عمل جديدة تهدف إلى منع تكرار حالات مماثلة في المستقبل.