المحاكمة – من متهِم إلى متهَم
وقد قرر المستشار القانوني للحكومة آنذاك حاييم كوهين تقديم غرينفالد إلى العدالة بتهمة القذف والتشهير على اعتبار أن كاستنير كان من موظفي الخدمة المدنية.
غير أن وكيل الدفاع عن غرينفالد المحامي شموئيل تامير – الذي أصبح فيما بعد شخصية سياسية بارزة وعضواً في الحكومة – تولى إدارة الدفاع عن غرينفالد بصورة حوَّلت قضية القذف والتشهير هذه إلى حملة اتهامات ضد كاستنير الذي تحول بنفسه من وضعية المتهِم إلى وضعية المتهَم. وقد انتهت المحاكمة في يونيو حزيران 1955 بتبرئة ساحة غرينفالد من معظم التهم الموجَّهة إليه فيما تلطَّخت سمعة كاستنير. وصارت جملة واحدة وردت في حيثيات الحكم الذي نطق به قاضي المحكمة المركزية في أورشليم القدس الدكتور بنيامين هليفي – صارت محفورة في الذاكرة العامة حيث قال فيها: "لقد باع كاستنير نفسه للشيطان".
واستأنف كاستنير الحكم فردَّت المحكمة اعتباره في معظم التُهم التي أثيرت ضده لكن قرارها لم يصدر إلا مطلع عام 1958 حيث لم يُعد كاستنير على قيد الحياة.
عملية الاغتيال وحلّ لغزها
تعرض كاستنير ليلة 3-4 مارس آذار 1957 بعد منتصف الليل بدقائق معدودة ، عند وصوله إلى منزله في تل أبيب ، لإطلاق النار مما أدى إلى إصابته بجروح بالغة الخطورة توفي بعد نحو أسبوعين متأثراً بها. وكان مطلق النار قد قفز من سيارة جيب كانت تقف بجوار المنزل واقترب من كاستنير الذي كان يغلق سيارته واستفسر لديه عن هويته وعندما تأكد منها أشهر مسدساً واطلق النار عليه.
وكانت الطلقة الأولى فاسدة فيما أصابت الطلقة الثانية باب السيارة إلا أن الطلقة الثالثة أصابت كاستنير بالجزء العلوي من جسمه عند محاولته الفرار وأصابته بجروح بالغة الخطورة. وقد عاد مطلق النار إلى سيارة الجيب وانصرف من المكان على وجه السرعة.
ولم تمضِ إلا ساعة حتى يبدأ جهاز الأمن العام بمساعيه لكشف لغز الاغتيال. وتمحور هذا المجهود حول تنظيم قاده اثنان من الأعضاء السابقين في ﺤرﮐﺔ "المقاتلون من أجل حرية إسرائيل" (المعروف اختصاراً باسم "ليحي") السري [الذي عمل في فترة الانتداب البريطاني] وهما المدعوان يوسيف مينكس ويعقوب حيروتي ، إذ كان هذا التنظيم مرتبطاً بالتخطيط لعمليات قتل مختلفة وأعد مخططات مختلفة ضد كاستنير. وكانت الفرضية الأساسية تقول إن المدعو مينكس ضالع شخصياً بعملية اغتيال كاستنير.
وقد جرى في الليلة ذاتها اعتقال مينكس و-6 شبان آخرين انتموا حسب المعلومات الاستخبارية إلى هذا التنظيم والذين تطابقت أوصافهم مع التفاصيل التي قدمها كاستنير في المستشفى حيث عولج بالنسبة لمطلق النار عليه.
وبعد تحقيق قصير تم الإفراج عن 5 من المعتقلين ولم يبق رهن الاعتقال إلا مينكس والمدعو زئيف إكشتاين الذي لم يقدم عُذراً كافياً لتبرئة ساحته. ومن باب الافتراض بأن مطلق النار على كاستنير لم يعمل بمفرده فقد أعيد النظر في المعلومات الاستخبارية ليثار اسم المدعو دان شيمر كأحد المشبوهين المحتملين. وتم
اعتقال شيمر حيث أقر بمعرفته بإكشتاين بناء على خدمتهما العسكرية المشتركة في لواء المظليين ، كما أنه اعترف بحقيقة انعقاد عدة لقاءات بينهما في الفترة التي سبقت عملية إطلاق النار.
وقد تمكنت الشرطة – مستعينة بإفادات شهود عيان حول سيارة الجيب التي وقفت بجوار منزل كاستنير – من رصد هذه السيارة حيث عُثر بداخلها على المسدس الذي استخدمه مطلق النار وبصمات ثبت لدى فحصها تطابقها مع بصمات دان شيمر.
واعترف شيمر يوم 7 مارس آذار بمشاركته في عملية اغتيال كاستنير بصفة سائق سيارة الجيب المذكورة وأفاد بأن مطلق النار على كاستنير كان زئيف أكشتاين. كما أعاد شيمر تمثيل تحركاته وأكشتاين على الأرض خلال ليلة اغتيال كاستنير.
ولغرض التأثير على أكشتاين بالاعتراف أيضاً فقد قام المحقق ب"جولة" معه في تل أبيب متعهداً له بعدم طرح أي سؤال عليه خلال الرحلة. وقد قاد المحقق السيارة في نفس مسار تحركات أكشتاين وشيمر ليلة الاغتيال وأشار خلال الرحلة إلى المواقع المختلفة ووصف العمليات التي قام بها أكشتاين بناء على اعتراف شيمر. وقبيل نهاية الرحلة توقف المحقق قرب منزل شيمر وقال لأكشتاين: "هنا يسكن صاحبك الذي حوَّلته بنفسك إلى مجرم".
ولم ينبس أكشتاين ببنت شفة لكنه طلب فيما بعد معاودة مقابلة المحقق وقال له: "إنك مزقت نياط قلبي بتلك الملاحظة التي أدليت بها قرب منزل دان شيمر". وبالتالي أبدى أكشتاين رغبته في الاعتراف بالتهمة وروى أن مينكس هو الذي زوده بالمسدس والذخيرة وحرَّضه على القيام بعملية الاغتيال. وقد أعاد أكشتاين في الأيام التالية تمثيل عملية الاغتيال قرب منزل كاستنير وكتب اعترافاً مفصلاً سرد فيه ، مرحلة تلو أخرى ، كيف استدرجه مينكس لارتكاب عملية الاغتيال.
الخاتمة
لقد تقرر بعد اعتراف أكشتاين بفعلته توسيع دائرة المعتقلين من أفراد مجموعة مينكس – حيروتي بما في ذلك اعتقال حيروتي نفسه. وتجاوز عدد المعتقلين العشرين. وتم عقب التحقيقات التي جرت معهم اكتشاف مخبأيْن للسلاح تابعين لهذا التنظيم.
وقد توفي كاستنير يوم 15 مارس آذار 1957 متأثراً بجراحه. وبالتالي تم توجيه تهم القتل إلى كل من أكشتاين وشيمر ومينكس فضلاً عن اتهامهم بمخالفة أمر منع الإرهاب (إذ اتُهم مينكس تحديداً بأداء دور في إدارة تنظيم إرهابي ، فيما اتُهم أكشتاين وشيمر بالعضوية في تنظيم إرهابي). وكرر أكشتاين وشيمر أمام المحكمة الإدلاء باعترافاتهما بينما أنكر مينكس – الذي تجنب التعاون مع محققيه – التهمة بل اتهم جهاز الأمن العام بارتكاب عملية قتل كاستنير وبإجراء محاكمة صُورية له.
وقد أدين أكشتاين بصفة منفّذ عملية الاغتيال الرئيسي وشيمر بصفة معاونه. أما مينكس فقد قضت المحكمة بأنه حرَّض أكشتاين على اغتيال كاستنير وزوده بقطعة السلاح والذخيرة اللازمة لارتكاب العملية ، وبالتالي تمت إدانته بصفة شريك في جريمة القتل ومحرِّض عليها ومعاون على ارتكابها. وحُكم على الثلاثة بالإعدام لكن تم العفو عنهم جميعاً وإطلاق سراحهم من السجن قبل انقضاء محكوميتهم عام 1963.
وقد أفضى اغتيال كاستننير ومحاكمة قتلته إلى الكشف على الملأ عن حقيقة وجود "جهاز الأمن العام" التي كانت حتى ذلك الحين طي الكتمان وتم إنكارها. وأدى هذا الكشف لأول مرة إلى إخضاع عمل الجهاز للرقابة البرلمانية. أما سرعة إلقاء القبض على مخطط عملية القتل ومنفذيها وكيفية التعامل مع القضية على الصعيد القضائي والعقوبات الشديدة التي فُرضت على القتلة الثلاثة فقد حملت في طياتها رسالة قاطعة مفادها: إن وجود تنظيم سري يمارس العنف في دولة إسرائيل هو أمر لا تطيقه السلطات القائمة على فرض القانون. وقد تغلغلت هذه الرسالة في جميع شرائح المجتمع وفتحت عهداً طويلاً تميز بغياب العمل المتشدد المكثف سواء من اليمين أو من اليسار وباختفاء التنظيمات السرية تماماً.