وكان الاعتداء سيتم من خلال إدخال عبوة ناسفة إلى بطن الطائرة عن طريق رسولة لم تكن إلا إحدى الركاب وتحميلها العبوة الناسفة دون علمها بذلك. وقد كشف رجال الأمن التابعين لشركة "إلعال" العاملون في لندن العبوة الناسفة ومنعوا الاعتداء. وبعد اكتشاف العبوة الناسفة أُحيلت القضية إلى السلطات المحلية التي اعتقلت الراكبة المذكورة ثم اعتقلت مَن أرسلها وهو مواطن أردني يدعى نزار هنداوي.
وكانت الراكبة المخدوعة إيرلندية تبلغ 32 عاماً تدعى آن ماري ميرفي علماً بأنها كانت في الشهر السادس من الحمل. وقد وصلت إلى نقطة تفتيش أمتعة المسافرين قبل إغلاقها بحوالي 40 دقيقة. وقد تعامل معها مساعد رجل الأمن ضمن إجراءات التفتيش الأمني الروتيني للركاب.
ولدى قيام رجل الأمن باستجوابها لم تظهر مؤشرات مثيرة للشبهة. إذ أجابت الراكبة التي أثارت انطباعاً بأنها شابة بسيطة بالنفي على السؤال الذي طُرح عليها حول منحها أي غرض لنقله إلى إسرائيل. وكانت خلال الاستجواب هادئة ولم تظهر عليها أي علامة انفعال. غير أن تفتيش أمتعتها أدى إلى كشف مؤشرات أخرى مثيرة للشبهة: إذ تم العثور على حاسوب جيب علمي من طراز "كومودور" مع سلك جاهز للتوصيل الكهربائي. كما أثارت حقيبتها الشبهة بسبب ثقلها الاستثنائي. وعند فحص الحقيبة عثر رجل الأمن على متفجرات تم إخفاؤها في أسفلها تحت جدار داخلي مزدوج للحقيبة. واستدعى رجل الأمن الشرطة البريطانية وتم إيقاف الراكبة على ذمة التحقيق.
وتبين عند قيام الشرطة المحلية بفحص المتفجرات العثور داخل حاسوب ال"كومودور" المشار إليه على صاعق مغلَّف بمتفجرات بلاستيكية من نوع "سامتيكس" كان موصولاً بجهاز توقيت إلكتروني كان سيشغل بدوره المواد شديدة الانفجار التي تم إخفاؤها داخل الحقيبة. كما اتضح من فحص جهاز التوقيت بعد قطعه عن المتفجرات أن الطائرة كانت ستنفجر بعد مضي ساعتين وربع ساعة على إقلاعها من لندن متوجهةً إلى إسرائيل أي على ارتفاع 39 ألف قدم في أجواء المنطقة الواقعة ما بين إيطاليا واليونان.
إرتباط هنداوي بسوريا
وقد تبيَّن من التحقيق مع آن ماري ميرفي أنها كانت قد تعرفت قبل ذلك الموعد بعامين على مواطن أردني يدعى نزار هنداوي قدَّم نفسه على أنه صحفي حيث نشأت علاقة غرامية بينهما. وقد استمرت العلاقة بينهما متقطعة كون هنداوي لم يُقم في بريطانيا. ولدى ظهوره مجدداً في أبريل نيسان 1986 واكتشافه أن ميرفي حامل منه – اقترح هنداوي أنهما سيتزوجان ويقضيان شهر العسل في إسرائيل. وقد منح هنداوي ميرفي مبلغاً من المال لاقتناء الملابس واستصدار جواز سفر والحصول على تذكرة السفر جواً إلى إسرائيل. كما أنه أخبرها بأنه لن يستطيع ركوب الطائرة معها بصفته مواطناً أردنياً ولذلك فإنه سيتوجه إلى الأردن ثم يصل منه براً إلى إسرائيل لاستقبالها في مطار بن غوريون.
وقد حضر هنداوي عشية رحلة ميرفي الجوية إلى منزلها حاملاً معه حقيبة كبيرة وساعدها على حزم أمتعتها. كما أنها لاحظت خلال سفرهما إلى المطار أنه نبش حقيبتها حيث اتضح فيما بعد أنه قام بذلك لغرض توصيل حاسوب ال"كومودور" بالبطارية وإلصاقه بجدار الحقيبة الأسفل بالقرب من المتفجرات.
وقد تم الاستدلال من التحقيق مع المخرب هنداوي ومعتقلين آخرين في القضية أن السوريين وقفوا وراء مخطط الاعتداء عبر رجال سفارتهم في لندن. وقد نقل رجال المخابرات التابعة لسلاح الجو السوري الحقيبة حيث تم إخفاء المتفجرات من سوريا إلى بريطانيا في رحلة للخطوط الجوية السورية. كما أنهم أعدوا البنية التحتية اللازمة لتنفيذ العملية في لندن بما في ذلك شقة آمنة استُخدمت لتقديم الإرشادات وإجراء الاستعدادات وكذلك مأوى للفرار إليه بعد ارتكاب الاعتداء. كما تبيَّن من التحقيق مع هنداوي أنه كان على صلة بالمخابرات السورية منذ مطلع الثمانينيات وأنه كان على علاقة تحديداً بضابطيْن كبيرَيْن من مديرية الأمن التابعة لسلاح الجو السوري.
وقد عرض أحد الضابطين المدعو هيثم سعيد علي هنداوي خلال شهر فبراير شباط 1986 زرع قنبلة في طائرة تابعة لشركة "إلعال". وتلقى هنداوي من سعيد تعليمات دقيقة حول كيفية وضع القنبلة. كما نصحه سعيد باستخدام شابة لإدخال العبوة الناسفة إلى الطائرة بحجة أنها أقل إثارة للشبهات. وتلقى هنداوي وعداً بمنحه مبلغ 250 ألف دولار مقابل قيامه بالمهمة.
وقرر هنداوي استخدام صديقته آن ماري لغرض نقل الحقيبة إلى طائرة "إلعال". وكما سلف فإنه عرض عليها يوم 7 أبريل نيسان 1986 الزواج منه وإقامة حفل الزواج في إسرائيل وقضاء شهر العسل فيها. وقد ساعد هنداوي يوم 16 أبريل نيسان صديقته على حزم أمتعتها في حقيبة أحضرها خصيصاً لهذا الغرض ، ثم رافقها في اليوم التالي إلى المطار مشغلاً في الطريق جهاز التوقيت الخاص بالعبوة الناسفة.
وبعد أن ودّع هنداوي ميرفي عاد إلى الفندق حيث كان يقيم وانتظر سيارة للخطوط الجوية السورية كانت ستنقله إلى المطار ومنه جواً إلى سوريا. غير أن أحد أفراد طاقم الطائرة السورية أبلغ هنداوي لدى وصوله لنقله بأن ميرفي قد اعتُقلت في المطار. وأوعز هذا الشخص إلى هنداوي بركوب سيارة أجرة والتوجه فوراً إلى مقر السفارة السورية ، كما أنه أعطاه ظرفاً مختوماً وأمره بتسليمه إلى السفير السوري شخصياً.
وبعد أن اطّلع السفير السوري على فحوى الرسالة التي حملها إليه هنداوي أوعز إليه بالتوجه مع سوريَيْن آخرَيْن إلى شقة آمنة في لندن. وتم حجزه في الشقة حتى صبيحة اليوم التالي عند مجيئ السوريَيْن إلى الشقة للعودة به إلى مقر السفارة. غير أن هنداوي شك في وجود مخطط للقضاء عليه وأقدم على الفرار واستدعى شقيقه الذي اتصل بالشرطة البريطانية. وبالتالي جرى اعتقال هنداوي علماً بأنه كان يحمل ساعة اعتقاله جواز سفر دبلوماسياً سورياً.
واتضح أن الشقة حيث احتُجز هنداوي كانت تابعة لحارس في السفارة السورية ، كما تبين أن الشخصين الآخرين اللذين قاما بحراسته في الشقة يعملان أيضاً حارسَيْن في السفارة السورية. وتم إبعاد الثلاثة من بريطانيا. وعند قيام الشرطة البريطانية بتفتيش الشقة عُثر فيها على وثائق مزوَّرة خاصة بهنداوي ومستندات رسمية للسفارة السورية.
المحاكمة والانعكاسات
لم يتم تقديم آن ماري ميرفي للعدالة. أما نزار هنداوي فقد حُكم عليه يوم 25 أكتوبر تشرين الأول 1986 بالسجن الفعلي لمدة 45 عاماً. وادّعى وكيل الدفاع عنه خلال المحاكمة بأن القضية لا تعدو كونها عملاً استفزازياً لجهاز "الموساد" الإسرائيلي الذي زرع القنبلة بهدف اكتشافها والاستفادة من ذلك سياسياً على حساب سوريا. وبالتالي اضطُر رجل الأمن الإسرائيلي الذي أدلى بشهادته أمام المحكمة تحت لقب Mr. A يحجبه ستار عن رواد المحكمة والصحفيين ، أضطُر لنفي الادعاء بأنه من رجال جهاز الموساد وأنه زرع بنفسه القنبلة في الأمتعة التابعة لآن ماري ميرفي عند تفتيشها.
وقد قطعت بريطانيا في أعقاب هذه القضية علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا. إن اكتشاف العبوة الناسفة في لندن أحبط الاعتداء وأنقذ حياة 395 من ركاب الطائرة وأفراد طاقمها. ونوه رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيرس في إشارة متأخرة إلى الحادث بأنه لو تم الاعتداء لكانت دولة إسرائيل مضطرة لشن حرب على سوريا بسبب ضلوعها فيه.
توافق نادر للصدف
لقد وقع الحادث المشار إليه في لندن بعد مضي أقل من نصف عام على اختبار آخر تعرضت له منظومة الأمن التابعة لشركة "إلعال" ، إذ هاجمت مجموعتان تخريبيتان بصورة متزامنة تجمعات لركاب شركة "إلعال" في مطارَي روما وفيينا في شهر ديسمبر كانون الأول 1985.
ونتيجة إحباط هذين الاعتداءين قُتل في روما 3 مخربين وأُلقي القبض على رابع بعد إصابته ، فيما قُتل في فيينا مخرب واحد وقُبض على آخرَيْن. وقد اشتمل الحادث في فيينا على مطاردة عدد من ضباط الأمن والحراس العاملين في شركة "إلعال" لسيارة المخربين بالتعاون مع الشرطة المحلية. وقد قُتل خلال الحادثين 16 مدنياً بينهم أحد ركاب شركة "إلعال" وجُرح 120 آخرون بينهم 7 من مستخدمي "إلعال" إضافةً إلى 4 من مساعدي ضباط الأمن وأحد الحراس.
وقد وقفت وراء تخطيط الاعتداءَيْن المذكورَيْن وارتكابهما مجموعة "أبو نضال" علماً بأن المخربين توجهوا إلى روما وفيينا من دمشق حيث كان مقر قيادة فصيل "أبو نضال". وتبيَّن لاحقاً أنه كانت هناك صلة نادرة بين الحادثين والحادث في لندن إذ إن ضابط الأمن المسؤول عن رحلة الطائرة التي كانت ستنفجر في طريقها من لندن إلى تل أبيب شارك أيضاً في حادثة فيينا حيث عمل ضابط أمن في محطة "إلعال" هناك.
إن كلا الحادثين يعكسان بعض التعقيدات التي يواجهها العمل في مجال الحراسة والأمن والكفاءات العالية المطلوبة للتجاوب مع التهديدات المتنوعة ، إذ تقتضي الحاجة من ناحية التأهب والرد السريع عندما يشن الخصم الهجوم ، فيما تجري من ناحية أخرى "حرب أدمغة" بين منظومة الحراسة والتنظيمات الإرهابية التي تبحث عن ثغرات فيها لاختراقها ووضع عبوة ناسفة تفجّر الطائرة في الجو حتى بالاستناد إلى مسافرين أبرياء أو مخدوعين.