المقدّمة
وكان أحد الأساليب الرئيسية التي استخدمتها دول الكتلة الشرقية لإدخال العملاء إلى إسرائيل يقوم على تغطيتهم بغطاء القادمين الجدد علماً بأن أي حركة هجرة تشكل فرصة سانحة للأجهزة الاستخبارية لإدخال العملاء ، مما جعل دولة إسرائيل – بصفتها دولة تتميز باستيعاب القادمين الجدد – هدفاً مثالياً من هذه الناحية. وعلى اعتبار أن الهجرة من الاتحاد السوفياتي نفسه كانت محدودة وصغيرة الحجم فقد استخدمت المخابرات السوفياتية موجات هجرة اليهود من دول أوروبية شرقية أخرى لغرض إدخال العملاء إلى إسرائيل وتشغيلهم لجمع المعلومات الاستخبارية. وكانت رومانيا إحدى هذه الدول كونها خلال عقدَيْ الخمسينيات والستينيات منطلقاً لهجرة جماهير غفيرة من اليهود إلى إسرائيل.
وكان معظم العملاء الذين جرى إرسالهم إلى إسرائيل – تبعاً لطريقة العمل التي اعتمدتها المخابرات الأوروبية الشرقية – من ذوي الخلفية الحزبية الشيوعية الفاعلة. وقد تم تجنيد بعضهم بعد مباشرتهم إجراءات الهجرة فيما تم تسريب الآخرين تحت غطاء قادمين جدد بتوجيه من الجهات الاستخبارية. ولم تكن إسرائيل بالنسبة لبعضهم إلا محطة مؤقتة في طريق إدخالهم إلى دولة غربية أخرى.
وقد تعامل جهاز الأمن العام على مر السنين بجدية مع احتمال وجود عملاء سرَّبتهم الأجهزة الاستخبارية المختلفة ومنها المخابرات الرومانية بين القادمين الجدد من أوروبا الشرقية ، وبالتالي عمل الجهاز على كشف هؤلاء.
وكان من بين أولئك العملاء المدعو أ.س. الذي نقدم فيما يلي قصة الكشف عنه.
سيرة حياته وتجنيده كعميل للمخابرات الرومانية
وُلد المدعو أ.س. عام 1923 لعائلة يهودية في مدينة ديج الواقعة في منطقة ترانسيلفانيا وكان عضواً في الحزب الشيوعي الروماني الذي التحق به خلال الحرب العالمية الثانية. وإليكم بعض المحطات الهامة في سيرة حياته:
* عام 1944 – إلتحق بكوادر الحزب الشيوعي الروماني وترقّى إلى منصب سكرتير في إحدى المحافظات.
* عام 1948 – عُين رئيساً لمكتب وزير الزراعة الروماني حيث ساعده الوزير – وكذلك نائبه آنذاك نيكولاي تشاوشيسكو (الذي أصبح في مرحلة لاحقة رئيساً لرومانيا) – في فترات مختلفة من سيرته.
* عام 1952 – في أعقاب تنحية وزير الزراعة الناتجة عن صراعات القوة الداخلية في الحزب الشيوعي الروماني تم عزل أ.س. أيضاً من منصبه.
* تم اعتقال أ.س. ثم أُحيل إلى مستشفى للأمراض النفسية حيث تعرض لتحقيقات قاسية. وبعد عدة أشهر تم الإفراج عنه لكنه فقد موقعه الحزبي مما جعله يعود إلى مزاولة مهنته في مجال الميكنة الإلكترونية. وقد طاردته ذكريات "التجارب" التي تعرض لها خلال فترة اعتقاله والتحقيق معه طيلة سنوات وأثرت – حسب روايته – على القرارات التي اتخذها.
* عام 1956 – تم استدعاؤه إلى مكاتب الحزب الشيوعي حيث اتُهم ب"الانحرافات العقائدية اليمينية" وعُرضت عليه فكرة رد اعتباره من خلال تولي "مهمة شاقة" عن الحزب الشيوعي. وقد راجع أ.س. عندها مسؤول الحزب نيكولاي تشاوسيسكو الذي كان كما سلف من معارفه لكن الأخير رفض التدخل وبالتالي لم يملك أ.س. أي خيار إلا الاستجابة لهذا العرض.
* تم تدريب أ.س. على القيام بمهمته في إطار دورة مخابرات استمرت عاماً ونصف عام حيث خضع خلالها لتدريبات نظرية وتطبيقية خاصة بالنشاط السري وطرق الاتصالات السرية وتجنيد العملاء. أما البلد المستهدف – إسرائيل – فلم يعلَم به إلا في نهاية الدورة. وقد وقع أ.س. "عقد العمالة" لمدة 5 سنوات حيث كُلف بالانخراط في الحياة في إسرائيل والإقامة في حيفا. أما المهام الاستخبارية التي أُوكلت إليه فكانت كالآتي: التعرّف على النظام السياسي الإسرائيلي وإطلاع القائمين على تشغيله على مجريات الأمور في القوى السياسية الرائدة في البلاد ومتابعة الأوضاع الاقتصادية والإبلاغ عن العقود التجارية بين إسرائيل ودول الغرب فضلاً عن رصد المرشحين للتجنيد كعملاء في المخابرات الرومانية.
* قدم أ.س. إلى إسرائيل يوم 27 أبريل نيسان من عام 1958 مع زوجته وولديْهما. وتم إرساله أولاً إلى إحدى القرى التعاونية (الكيبوتسات) حيث مارس مهنته وتم استيعابه دون صعوبات محددة ، لكنه ترك القرية التعاونية بعد فترة رضوخاً لضغوط زوجته وانتقل للإقامة في حيفا حيث عمل بصفة كهربائي.
* عام 1963 – بدأ بالعمل بصفة المسؤول عن صيانة الأجهزة في مغسلة تابعة لإحدى الشركات في شمال البلاد.
الاشتباه بأن أ.س. يمارس التجسس
لم تمضِ إلا أشهر معدودة بعد قدوم أ.س. إلى البلاد حتى بدأت الأخبار المتواردة من مصادر مختلفة تضعه موضع التشكيك بأنه عميل للمخابرات الرومانية. وجرى استدعاؤه خلال شهر سبتمبر أيلول 1958 للاستجواب لدى أحد مستخدمي الدائرة المتخصصة التابعة لجهاز الأمن العام غير أن الأجوبة التي قدمها للمحقق لاقت قبوله ولم تجعله مثار شبهة.
غير أن الأنباء التي تضع أ.س. موضع الشبهة تواترت حيث تم تعريفه عقب ورود بعض هذه الأخبار كمشتبه فيه بممارسة التجسس وبالتالي إخضاعه للمراقبة من خلال استخدام الوسائل العملياتية. وتبيّن خلال عمليات المراقبة أن أ.س. كان يعي احتمال تتبّعه مما جعله يكشف هذا التتبّع في كثير من الأحيان. واقتنعت الدائرة المتخصصة التابعة لجهاز الأمن العام بأن رسائله إلى الخارج تشتمل أيضاً على مضامين سرية.
واستمرت إجراءات المراقبة العملياتية المفروضة على أ.س. بسبب الشبهات حول ممارسته التجسس ما يقارب 6 أعوام تراكمت خلالها في ملفه المعلومات التي زادت من حدة الشبهات الخاصة به – لا سيما عقب استجواب قادمين جدد آخرين من رومانيا إضافة إلى بعض تصرفاته ذات الملامح المشتبه فيها ، إلا أن هذه المعلومات مجتمعة لم تكفِ لسوق الأدلة والقرائن اللازمة لتقديمه إلى العدالة.
الكشف
لقد انتقل أ.س. خلال شهر يوليو تموز عام 1964 للسكن مع أسرته في حي نفيه شأنان في حيفا. واستأجر أفراد جهاز الأمن العام الشقة الملاصقة بشقته لغرض تكثيف مراقبته عملياتياً.
وتم يوم 22 مارس آذار 1965 تحقيق اختراق هام عندما التقط أفراد جهاز الأمن العام الذين راقبوا أ.س. بثاً للمخابرات الرومانية ورد إلى شقته. غير أن هذا البث أيضاً لم يكفِ لاعتقاله ومحاكمته بل اقتضت الضرورة الأدلة التي تلبّي متطلبات الاختبار القضائي من قبيل اعتقاله متلبساً بالجريمة لدى التقاطه بثاً من مشغّليه في رومانيا وبحوزته مواد مشبوهة مثل سجلاّت البث ومفتاح فكّ الرسائل المشفّرة وما إلى ذلك.
واستعد جهاز الأمن العام للحصول على الأدلة حيث اقتحم أفراد العمليات العاملون في الجهاز في اليوم التالي – عند بدء بثّ آخر من المخابرات الرومانية موجَّه إلى أ.س. – شقته يرافقهم ضابط شرطة حمل معه أمر الاعتقال. وكان باب غرفة نوم الزوجيْن مغلقاً عند دخول أفراد الأمن الشقة وتم اقتحامه بعد رفض الزوجيْن مطالبة ضابط الشرطة إياهما بفتحه.
وعُثر داخل غرفة النوم على جهاز الراديو الذي استُخدم لاستقبال البث. وأمسكت زوجة أ.س. بقصاصة ورق محروقة تضمنت سجلاّته عند استقبال البث من مشغّليه علماً بأنها حاولت كما يبدو حرقها في مدفأة كانت داخل الغرفة. وتم الفصل بين الزوجيْن حيث سلّم أ.س. الذي أدرك أنه تم الكشف عنه أفراد جهاز الأمن العام السماعات التي استخدمها لاستقبال البثّ وكذلك الشفرة الخاصة به.

التحقيق
إستمر التحقيق مع أ.س. لمدة شهر حيث اعترف جزئياً بالتهم المنسوبة إليه خاصة في مسائل ثبت جُرمه فيها لكنه انتهج في مسائل أخرى نهج "مَن يُظهر قليلاً ويُخفي كثيراً" بمعنى أنه لم يقدم إلا معلومات جزئية محاولاً تضليل المحققين.
ولم "ينفتح" أ.س. على محققيه إلا في مراحل متأخرة من التحقيق عندما أصبح اعتقال زوجته وقلقه على مصير ولديْه وخشيته من تشديد ظروف اعتقاله الشغل الشاغل لديه ، حيث قدم التفاصيل المتعلقة بكيفية تشغيله والمهام التي كُلف بها والاتصالات التي جرت بينه وبين المخابرات الرومانية.
ومما رواه أ.س. عندئذ لقاءان سريان عقدهما في البلاد مع ضابط في المخابرات الرومانية وتأكيده صحة افتراض جهاز الأمن العام بأن الرسائل التي أرسلها إلى رومانيا اشتملت على مضامين مخفية.
أما زوجة أ.س. فقد تم التحقيق معها أيضاً لكنها حرصت على إنكار كل التهم الموجَّهة إليها بما فيها إنكار حقيقة محاولتها حرق بعض الأوراق رغم وجود شهود عيان لها. وعند الانتهاء من التحقيق معها ، ورغم الاعتقاد بأنها شاركت زوجها نشاطه الاستخباري ، تقرر عدم محاكمتها وتم الإفراج عنها وذلك أيضاً من منطلق أخذ مصلحة ولديْ الزوجيْن بعين الاعتبار.